فخر الدين الرازي

98

تفسير الرازي

في نفسي شيئاً ما أظن أن أحداً يجده ، قالوا ما تجد ؟ قال أجد في نفسي أن ربي رب السماوات والأرض . القول الثاني : أنهم قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس الجبار ، وقالوا : ربنا رب السماوات والأرض ، وذلك لأنه كان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت ، فثبت الله هؤلاء الفتية ، وعصمهم حتى عصوا ذلك الجبار ، وأقروا بربوبية الله ، وصرحوا بالبراءة عن الشركاء والأنداد . والقول الثالث : وهو قول عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم وهذا بعيد لأن الله استأنف قصتهم بقوله : * ( نحن نقص عليك ) * وقوله : * ( لقد قلنا إذاً شططاً ) * معنى الشطط في اللغة مجاوزة الحد ، قال الفراء يقال قد أشط في السوم إذ جاوز الحد ولم يسمع إلا أشط يشط أشطاطاً وشططاً ، وحكى الزجاج وغيره شط الرجل وأشط إذا جاوز الحد ، ومنه قوله : * ( ولا تشطط ) * ( ص : 22 ) وأصل هذا من قولهم شطت الدار إذا بعدت ، فالشطط البعد عن الحق ، وهو ههنا منصوب على المصدر ، والمعنى لقد قلنا إذا قولاً شططاً ، أما قوله : * ( هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة ) * هذا من قول أصحاب الكهف ويعنون الذين كانوا في زمان دقيانوس عبدوا الأصنام * ( لولا يأتون - هلا يأتون - عليهم بسلطان بين ) * بحجة بينة ، ومعنى عليهم أي على عبادة الآلهة ، ومعنى الكلام أن عدم البينة بعدم الدلائل على ذلك لا يدل على عدم المدلول ، ومن الناس من يحتج بعدم الدليل على عدم المدلول ويستدل على صحة هذه الطريقة بهذه الآية . فقال إنه تعالى استدل على عدم الشركاء والأضداد بعدم الدليل عليها فثبت أن الاستدلال بعدم الدليل على عدم المدلول طريقة قوية ، ثم قال : * ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ) * يعني أن الحكم بثبوت الشيء مع عدم الدليل عليه ظلم وافتراء على الله وكذب عليه ، وهذا من أعظم الدلائل على فساد القول بالتقليد . قوله تعالى * ( وَإِذِا اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ اللَّهَ فَأْوُواْ إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقًا * وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذلِكَ مِنْ ءَايَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ